الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

70

تفسير روح البيان

وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ الكامل في الكتابية الحقيق بان يخص به اسم الجنس وهو القرآن العظيم تِبْياناً بيانا بليغا لِكُلِّ شَيْءٍ يتعلق بأمور الدين ومن ذلك أحوال الأمم مع أنبيائهم فان قلت كيف هذا ومعلوم ان أكثر الاحكام غير مبنية في القرآن ولذلك اختلف العلماء فيها إلى قيام الساعة * قلت كونه تبيانا لكل شئ من أمور الدين باعتبار ان فيه نصا على بعضها وإحالة لبعضها على السنة حيث امر باتباع النبي صلى اللّه عليه وسلم وطاعته وقيل فيه وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى وحثا على الإجماع وقد رضى رسول اللّه لامته باتباع أصحابه حيث قال ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) وقد اجتهدوا وقاسوا ووطأوا طرق الاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب ولم يضر ما في البعض من الخفاء في كونه تبيانا فان المبالغة باعتبار الكمية دون الكيفية وَهُدىً وكاملا في الهداية من الضلالة وَرَحْمَةً للعالمين فان حرمان الكفرة من مغانم آثاره من تفريطهم لا من جهة الكتاب وَبُشْرى وبشارة بالجنة لِلْمُسْلِمِينَ خاصة * وفيه إشارة إلى أن في الكتاب بيان كل شئ يحتاج اليه السالك في أثناء السلوك والسير إلى اللّه إلى أن يصل إلى أقصى مقام الكمال المقدر للانسان وهذا الكتاب هاد يهدى إلى اللّه عباده برحمته وبشارة لمن اسلم وجهه للّه وتابع النبي صلى اللّه عليه وسلم بالوصول إلى مقام الكمال وحضرة الجلال وكما أن المنزل عليه هو الرسول والبيان من لسانه يؤخذ لا من لسان غيره فكذا الملهم عليه هو وارث الرسول والإرشاد من تربية غيره فمن اسلم اى استسلم وانقاد لتربية الوسائط ولم يتحرك بشئ من عند نفسه كالميت على يد الغسال فقد هدى إلى طريق التطهر عن الأدناس النفسانية ووصل إلى درجات العارفين : قال الحافظ من بسر منزل عنقا نه بخود بردم راه * قطع اين مرحله با مرغ سليمان كردم واعلم أن القرآن كاف لأهل الشريعة والحقيقة فمن مشى على ما صرح به وأشار فقد أمن من العثار ومن خرج عن العمل به واتبع نفسه وهواه فقد بعد عن اللّه وأسخط مولاه * قال سهل بن عبد اللّه أصول الدين على ركنين التمسك بكتاب اللّه والاقتداء بسنة رسول اللّه وعن أبي يزيد قدس سره ستة أشياء حصن الأعضاء السبعة استعمال العلم وحسن الأدب ومحاسبة النفس وحفظ اللسان وكثرة العبادة ومتابعة السنة * وقال جنيد البغدادي قدس سره مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة * وقال على رضى اللّه عنه الطريق كلها مسدودة على الخلق الا من اقتفى اثر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ في القرآن بِالْعَدْلِ بان لا تظلموا أنفسكم وغيركم ولا تجوروا اى بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وإيصال كل حق إلى ذي حفه أو يأمر بمراعاة التوسط بين الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك والقول بالكسب المتوسط بين الجبر والقدر وكذا القول بان اللّه لا يؤاخذ عبده المؤمن بشئ من الذنوب مساهلة عظيمة والقول بأنه يخلده في النار بالمعاصي تشديد عظيم والعدل مذهب أهل السنة وعملا كالتعبد بأداء الفرائض والواجبات المتوسطة بين البطالة والترهب وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير والشجاعة المتوسطة بين